فخر الدين الرازي
34
تفسير الرازي
قلنا : لما كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة ، فكان ينبغي أن يجعل خفيفاً ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل . الحجة التاسعة : أن قولك : أحسن لو كان فعلاً ، وقولك : زيداً مفعولا لجاز الفصل بينهما يا لظرف ، فيقال : ما أحسن عندك زيداً ، وما أجمل اليوم عبد الله ، والرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز ، فبطل ما ذهبتم إليه . الحجة العاشرة : أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب بكل فعل متعد مجرداً كان أو مزيداً ، ثلاثياً كان أو رباعياً ، وحيث لم يجز إلا من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول ، واحتج البصريون على أن أحسن في قولنا ، ما أحسن زيداً فعل بوجوه أولها : بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه وثانيها : أن أحسن مفتوح الآخر ، ولو كان اسماً لوجب أن يرتفع إذا كان خبراً لمبتدأ وثالثها : الدليل على كونه فعلاً اتصال الضمير المنصوب به ، وهو قولك : ما أحسنه . والجواب عن الأول : أن أحسن كما أنه قد يكون فعلاً ، فهو أيضاً قد يكون اسماً ، حين ما يكون كلمة تفضيل ، وأيضاً فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه لا يجوز أن يكون فعلاً وأنتم ما طلبتمونا إلا بالدلالة . والجواب عن الثاني : أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة . والجواب عن الثالث : أنه منتقض بقولك : لعلي وليتني ، والعجب أن الاستدلال بالتصغير على الإسمية أقوى من الاستدلال بهذا الضمير على الفعلية ، فإذا تركتم ذلك الدليل القوي ، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى ، فهذا جملة الكلام في هذا القول . القول الثاني : وهو اختيار الأخفش قال : القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة * ( ما ) * وهو قولك : أحسن صلة لما ، ويكون خبر * ( ما ) * مضمراً ، وهذا أيضاً ضعيف لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت : الذي أحسن زيداً ليس هو بكلام منتظم ، وقولك : ما أحسن زيداً كلام منتظم وكذا القول في بقية الوجوه . القول الثالث : وهو اختيار الفراء : أن كلمة * ( ما ) * للاستفهام وأفعل اسم ، وهو للتفضيل ، كقولك : زيد أحسن من عمرو ، ومعناه أي شيء أحسن من زيد فهو استفهام تحته إنكار أنه وجد شيء أحسن منه ، كما يقول من أخبر عن علم إنسان فأنكره غيره فيقول هذا المخبر : ومن أعلم من فلان ؟ إظهاراً منه ما يدعيه منازعه على خلاف الحق ، وأن لا يمكنه إقامة الدليل عليه ويظهر